ثقافة
هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي ألهم العرب
صورة توضيحية

مصدر الصورة: صورة توضيحية / Symbolbild. Photo: aamiraimer/Pixabay · Pixabay License

هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي ألهم العرب

رحل يورغن هابرماس عن 96 عاماً تاركاً إرثاً فكرياً غيّر فهم الديمقراطية والحوار العام. لم يكن تأثيره أوروبياً فحسب، بل امتد إلى أجيال من المثقفين العرب الذين درسوا نظرياته في جامعات فرانكفورت وبرلين، وحملوا أفكاره إلى نقاشات التحول الديمقراطي في العالم العربي.

إيصال التحريرلم يتم التحقق بعد٣ روابط مصدرآخر تحديث ١٥ مارس ٢٠٢٦منهجيتنا

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

3 دقائق للقراءة١٤٥ مشاهدة
إيصال المصادر

في مكتبة جامعة فرانكفورت، ظل كتاب "التحول البنيوي للمجال العام" من أكثر الكتب استعارة بين الطلاب العرب لعقود. مؤلفه يورغن هابرماس توفي أمس الجمعة عن عمر ناهز 96 عاماً، لكن أفكاره لا تزال حية في قاعات المحاضرات من برلين إلى بغداد.

أكّدت دويتشه فيله أن هابرماس رحل في 14 مارس 2026. وُلد في دوسلدورف عام 1929، وعاش طفولة تحت ظل النازية - تجربة شكّلت هاجسه الدائم بالديمقراطية والحوار المفتوح.

لكن ما الذي يجعل فيلسوفاً ألمانياً مهماً لقراء برليننا؟

مكتبة جامعية مليئة بالكتب - صورة توضيحية
صورة توضيحية. Photo by Susan Yin on Unsplash

المجال العام بالعربية

نظرية هابرماس عن "المجال العام" - أي الفضاء الذي يتناقش فيه المواطنون بحرية حول شؤونهم المشتركة - وجدت صدى واسعاً في الفكر العربي المعاصر. المفكر المغربي محمد عابد الجابري والجزائري محمد أركون (وهما من أبرز فلاسفة العالم العربي في القرن العشرين) تأثرا بمنهجه النقدي في تحليل بنى السلطة والخطاب.

أوضح الباحث التونسي فتحي التريكي في دراسات عديدة كيف أن مفهوم "الفعل التواصلي" عند هابرماس - الصادر عام 1981 - قدّم للمثقفين العرب أدوات لفهم غياب الحوار الديمقراطي في مجتمعاتهم. الفكرة بسيطة في جوهرها: الحقيقة لا تأتي من سلطة فوقية، بل من نقاش حر بين مواطنين متساوين.

وخلال الربيع العربي عام 2011، عادت نظريات هابرماس إلى الواجهة بقوة. أشارت أبحاث أكاديمية عديدة إلى أن ميادين التحرير في القاهرة وتونس كانت تجسيداً عملياً (وإن كان مؤقتاً) لمفهوم المجال العام الذي نظّر له قبل نصف قرن.

كتب فلسفية مفتوحة على طاولة - صورة توضيحية
صورة توضيحية. Photo by Kimberly Farmer on Unsplash

من فرانكفورت إلى نويكولن

في الجامعات الألمانية اليوم، يدرس أكثر من 44 ألف طالب عربي وفقاً لبيانات هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD). كثير منهم (خاصة في تخصصات الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماع) يصادفون هابرماس في فصولهم الأولى. وبالنسبة لطالب عراقي أو سوري يعيش في برلين-نويكولن، فإن قراءة هابرماس عن الديمقراطية التشاركية ليست تمريناً أكاديمياً مجرداً - إنها مرآة لأسئلة حقيقية عن الوطن الذي غادره.

نوّه كاتب سيرة هابرماس، ستيفان مولر-دوهم، إلى أن فكرة الديمقراطية كانت الخيط الذي يربط مشروعه الفكري بأكمله. ولد في ظل جمهورية فايمار المنهارة، وجُنّد مراهقاً في وحدات الدفاع الجوي النازية. ذلك الماضي المظلم جعله يؤمن إيماناً عميقاً بأن الحوار العقلاني - لا العنف ولا الأيديولوجيا - هو الطريق الوحيد لمجتمع حر.

صرّح هابرماس نفسه ذات مرة بأن "الدول الديمقراطية يجب أن تُخضع الاقتصاد لقواعد تحمي المجتمع". كلمات تبدو اليوم - في ظل صعود الشعبوية وتراجع الثقة بالمؤسسات - أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

كتاب مفتوح في مكتبة - صورة توضيحية
صورة توضيحية. Photo by Jaredd Craig on Unsplash

إرث لم يكتمل

ذكر تقرير دويتشه فيله أن هابرماس ظل ناشطاً فكرياً حتى سنواته الأخيرة. في عام 1999 أيّد تدخل حلف الناتو في كوسوفو، وخلال أزمة اليورو طالب بديمقراطية أوروبية فوق وطنية. وحين رفض عام 2021 جائزة الشيخ زايد للكتاب الإماراتية - بعد قبولها مبدئياً - أثار جدلاً واسعاً حول علاقة المثقف بالسلطة.

لفت المفكر اللبناني علي حرب في كتاباته إلى أن تأثير هابرماس على الفكر العربي تجاوز الأكاديميا. فمصطلحات مثل "الفضاء العام" و"أخلاقيات الخطاب" و"الديمقراطية التداولية" دخلت المعجم السياسي العربي المعاصر، من صفحات المجلات الأكاديمية إلى مقالات الصحف اليومية.

والسؤال الذي يطرحه رحيل هابرماس على الجالية العربية في ألمانيا ليس أكاديمياً. هل نستطيع - نحن الذين جئنا من مجتمعات عانت من غياب الحوار الحر - أن نبني في مهجرنا ذلك المجال العام الذي حلم به؟ ربما تكون الإجابة في مقهى على زاوية شارع زونن ألي، حيث يتناقش شبان عرب حول السياسة والمجتمع. هابرماس كان سيبتسم.

المصادر / Quellen

  1. DW Arabic - رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز مفكري العصر (14.03.2026)
  2. Tagesschau - Nachruf auf Jürgen Habermas (14.03.2026)
  3. DAAD - Studieren und Forschen in Deutschland (Statistiken zu ausländischen Studierenden)

مشاركة

اقرأ بعد ذلك

اختيارات قريبة من هذا الموضوع، بدون تشتيت عن المقال.

  1. 01

    القصر في وسط برلين مجاني لأولادك

    في نفس البقعة التي يقف عليها اليوم القصر البرليني الجديد، افتُتح قبل خمسين سنة بالضبط مبنى مختلف تماماً. اليوم، من يدفع 50 يورو لدخول هذا المكان مع عائلته غالباً لا يعرف شيئاً مهماً: أجزاء واسعة من Humboldt Forum مجانية تماماً، والأطفال تحت 19 سنة يدخلون كل شيء بدون تذكرة. عائلات عربية كثيرة في برلين تفوّت هذه المعلومة وتظن أن الثقافة في ألمانيا غالية عليها.

    ثقافةفريق برليننا
  2. 02

    عيد الأضحى الجمعة: قدّم طلب الإجازة الآن

    سبعة أسابيع تفصلك عن عيد الأضحى الجمعة 5 يونيو. الموظف الذي يقدّم طلب الإجازة في آخر أسبوع مايو يجد نفسه أمام رفض قانوني من صاحب العمل بحجة 'ضرورات تشغيلية'، لأن المادة 7 من قانون الإجازة تضع الأولوية لمن طلب أولاً. طفلك في المدرسة لن يُعفى تلقائياً، والجزّار الذي بلا تصريح 4a يعرّضك لغرامة. ما الذي يجب أن يصل إلى ثلاث جهات هذا الأسبوع بالضبط.

    ثقافةفريق برليننا
  3. 03

    عجلات نارية وبيض ملوّن: فصح ألماني مختلف

    في مدينة لوغده بشمال الراين، يدحرج السكان عجلات بلوط مشتعلة وزن كل منها 280 كيلوغراماً من أعلى التل ليلة عيد الفصح. في ساكسونيا، تخرج النساء في صمت تام لجمع ماء يعتقدن أنه يحمل قوة شفائية. ومن بافاريا إلى لوساتيا العليا، تتكرر مشاهد الفرسان بمعاطفهم السوداء في مواكب تعود إلى القرن الخامس عشر. خمس تقاليد ألمانية لا تشبه شيئاً رأيته من قبل.

    ثقافةفريق برليننا
ف

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

التعليقات

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

جاري تحميل التعليقات...

سياق التحرير

حالة النص
لم يتم التحقق بعد
ملاحظة المصادر
روابط المصدر ظاهرة داخل نص هذه النسخة للمراجعة.
آخر تحديث
١٥ مارس ٢٠٢٦
تصحيح أو ملاحظة
إذا لاحظت خطأً، راسل التحرير عبر صفحة التواصل.
منهجيتنا