هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي ألهم العرب
رحل يورغن هابرماس عن 96 عاماً تاركاً إرثاً فكرياً غيّر فهم الديمقراطية والحوار العام. لم يكن تأثيره أوروبياً فحسب، بل امتد إلى أجيال من المثقفين العرب الذين درسوا نظرياته في جامعات فرانكفورت وبرلين، وحملوا أفكاره إلى نقاشات التحول الديمقراطي في العالم العربي.
فريق برليننا
فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

صورة توضيحية / Symbolbild. Photo: aamiraimer/Pixabay · Pixabay License
في مكتبة جامعة فرانكفورت، ظل كتاب "التحول البنيوي للمجال العام" من أكثر الكتب استعارة بين الطلاب العرب لعقود. مؤلفه يورغن هابرماس توفي أمس الجمعة عن عمر ناهز 96 عاماً، لكن أفكاره لا تزال حية في قاعات المحاضرات من برلين إلى بغداد.
أكّدت دويتشه فيله أن هابرماس رحل في 14 مارس 2026. وُلد في دوسلدورف عام 1929، وعاش طفولة تحت ظل النازية — تجربة شكّلت هاجسه الدائم بالديمقراطية والحوار المفتوح.
لكن ما الذي يجعل فيلسوفاً ألمانياً مهماً لقراء برليننا؟
المجال العام بالعربية
نظرية هابرماس عن "المجال العام" — أي الفضاء الذي يتناقش فيه المواطنون بحرية حول شؤونهم المشتركة — وجدت صدى واسعاً في الفكر العربي المعاصر. المفكر المغربي محمد عابد الجابري والجزائري محمد أركون (وهما من أبرز فلاسفة العالم العربي في القرن العشرين) تأثرا بمنهجه النقدي في تحليل بنى السلطة والخطاب.
أوضح الباحث التونسي فتحي التريكي في دراسات عديدة كيف أن مفهوم "الفعل التواصلي" عند هابرماس — الصادر عام 1981 — قدّم للمثقفين العرب أدوات لفهم غياب الحوار الديمقراطي في مجتمعاتهم. الفكرة بسيطة في جوهرها: الحقيقة لا تأتي من سلطة فوقية، بل من نقاش حر بين مواطنين متساوين.
وخلال الربيع العربي عام 2011، عادت نظريات هابرماس إلى الواجهة بقوة. أشارت أبحاث أكاديمية عديدة إلى أن ميادين التحرير في القاهرة وتونس كانت تجسيداً عملياً (وإن كان مؤقتاً) لمفهوم المجال العام الذي نظّر له قبل نصف قرن.
من فرانكفورت إلى نويكولن
في الجامعات الألمانية اليوم، يدرس أكثر من 44 ألف طالب عربي وفقاً لبيانات هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD). كثير منهم (خاصة في تخصصات الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماع) يصادفون هابرماس في فصولهم الأولى. وبالنسبة لطالب عراقي أو سوري يعيش في برلين-نويكولن، فإن قراءة هابرماس عن الديمقراطية التشاركية ليست تمريناً أكاديمياً مجرداً — إنها مرآة لأسئلة حقيقية عن الوطن الذي غادره.
نوّه كاتب سيرة هابرماس، ستيفان مولر-دوهم، إلى أن فكرة الديمقراطية كانت الخيط الذي يربط مشروعه الفكري بأكمله. ولد في ظل جمهورية فايمار المنهارة، وجُنّد مراهقاً في وحدات الدفاع الجوي النازية. ذلك الماضي المظلم جعله يؤمن إيماناً عميقاً بأن الحوار العقلاني — لا العنف ولا الأيديولوجيا — هو الطريق الوحيد لمجتمع حر.
صرّح هابرماس نفسه ذات مرة بأن "الدول الديمقراطية يجب أن تُخضع الاقتصاد لقواعد تحمي المجتمع". كلمات تبدو اليوم — في ظل صعود الشعبوية وتراجع الثقة بالمؤسسات — أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إرث لم يكتمل
ذكر تقرير دويتشه فيله أن هابرماس ظل ناشطاً فكرياً حتى سنواته الأخيرة. في عام 1999 أيّد تدخل حلف الناتو في كوسوفو، وخلال أزمة اليورو طالب بديمقراطية أوروبية فوق وطنية. وحين رفض عام 2021 جائزة الشيخ زايد للكتاب الإماراتية — بعد قبولها مبدئياً — أثار جدلاً واسعاً حول علاقة المثقف بالسلطة.
لفت المفكر اللبناني علي حرب في كتاباته إلى أن تأثير هابرماس على الفكر العربي تجاوز الأكاديميا. فمصطلحات مثل "الفضاء العام" و"أخلاقيات الخطاب" و"الديمقراطية التداولية" دخلت المعجم السياسي العربي المعاصر، من صفحات المجلات الأكاديمية إلى مقالات الصحف اليومية.
والسؤال الذي يطرحه رحيل هابرماس على الجالية العربية في ألمانيا ليس أكاديمياً. هل نستطيع — نحن الذين جئنا من مجتمعات عانت من غياب الحوار الحر — أن نبني في مهجرنا ذلك المجال العام الذي حلم به؟ ربما تكون الإجابة في مقهى على زاوية شارع زونن ألي، حيث يتناقش شبان عرب حول السياسة والمجتمع. هابرماس كان سيبتسم.
المصادر / Quellen
- DW Arabic — رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز مفكري العصر (14.03.2026)
- Tagesschau — Nachruf auf Jürgen Habermas (14.03.2026)
- DAAD — Studieren und Forschen in Deutschland (Statistiken zu ausländischen Studierenden)
5 دقائق كل صباح
أهم أخبار ألمانيا التي تهمّك
كلمة اليوم، آخر الأخبار، ونصائح عملية — كل يوم في بريدك
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على التحديثات الفورية والأخبار العاجلة مباشرة على هاتفك
فريق برليننا
فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.


