ثقافة
بودكاست عربي من برلين.. أصوات المهجر
صورة توضيحية

مصدر الصورة: صورة توضيحية / Symbolbild. Photo: -A1AN/Pixabay · Pixabay License

بودكاست عربي من برلين.. أصوات المهجر

في استوديوهات صغيرة بأحياء برلين ومدن ألمانية أخرى، يبني صنّاع محتوى عرب جمهوراً متنامياً عبر البودكاست. من الصحة النفسية إلى الهوية المزدوجة، يفتح هذا الوسيط أبواباً كانت مغلقة في ثقافة المهجر العربي.

إيصال التحريرمن إعداد فريق برليننا١ رابط رسميآخر تحديث ٦ مارس ٢٠٢٦منهجيتنا

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

4 دقائق للقراءة١٢٥ مشاهدة
مشاركة
إيصال المصادر

في شقة صغيرة بحي نويكولن، تضع نور ميكروفوناً على طاولة المطبخ وتضغط زر التسجيل. الساعة العاشرة مساءً، والأطفال ناموا أخيراً. أمامها ساعة واحدة لتسجيل حلقة جديدة عن القلق الذي يرافق كل لقاء مع موظف في دائرة الأجانب. "المستمعون يرسلون لي رسائل يقولون فيها: ظننت أنني الوحيدة"، تروي نور التي بدأت بودكاستها قبل عامين.

نور ليست وحدها. خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ظهرت عشرات البودكاستات العربية من ألمانيا، تتناول مواضيع كانت تُعتبر من المحظورات في مجتمعات المهجر - الصحة النفسية، العلاقات العاطفية، أزمات الهوية، ونصائح مهنية لمن يبدأ حياته من الصفر في بلد جديد.

ميكروفون تسجيل بودكاست في استوديو صغير
صورة توضيحية. Photo by Jonathan Velasquez on Unsplash

لماذا البودكاست تحديداً؟

وفقاً لدراسة أجرتها شركة غولدميديا عام 2024، يستمع نحو 43 بالمئة من سكان ألمانيا إلى البودكاست بانتظام. لكن بين الجالية العربية (التي يتجاوز عددها مليوني شخص حسب الإحصاء الاتحادي) يحمل هذا الوسيط معنى مختلفاً تماماً.

السبب بسيط ومعقد في آن واحد. الصوت حميمي. لا كاميرا، لا حجاب اجتماعي. كثير من المستمعين (خاصة النساء) يفضّلون وسيطاً لا يتطلب إظهار الوجه - لا من المتحدث ولا من المتلقي. والبودكاست يُسمع أثناء التنقل في القطارات أو أثناء العمل في المطابخ، وهي أوقات لا تصلح للقراءة أو مشاهدة الفيديو.

أوضحت الباحثة في الإعلام الرقمي بجامعة برلين الحرة أن "البودكاست يملأ فراغاً لا تملؤه وسائل الإعلام التقليدية - فهو يتحدث بلهجة المستمع وعن همومه اليومية الحقيقية في ألمانيا، لا عن أخبار الشرق الأوسط فقط".

أصوات من مدن مختلفة

من أبرز المشاريع العربية الصوتية في ألمانيا، بودكاست "عندي سؤال" من دويتشه فيله الذي يقدم حلقات عملية عن الحياة في ألمانيا بالعربية. ومن خارج المؤسسات الكبرى، ظهرت مبادرات فردية مثيرة. سامر، مهندس سوري يعيش في هامبورغ منذ 2016، يسجل حلقات أسبوعية عن مساره المهني - من دورة الاندماج إلى وظيفته الحالية. "أحكي ما لا يحكيه أحد"، يؤكد سامر. "كيف تتعامل مع مديرك الألماني حين لا تفهم ثقافة العمل؟ هذا لا تجده في كتاب".

شخص يستمع إلى بودكاست عبر سماعات الأذن
صورة توضيحية. Photo by C D-X on Unsplash

وفي برلين، أطلقت ليلى (اسم مستعار) بودكاست عن الصحة النفسية للعرب في المهجر. الحلقات تتراوح بين 30 و50 دقيقة، وبعضها حقق أكثر من 15 ألف استماع. لكن الأرقام ليست ما يهمها. "وصلتني رسالة من شاب في دورتموند يقول إنه حجز أول موعد عند معالج نفسي بعد سماع حلقة عن الاكتئاب"، روت ليلى. "هذا أهم من أي رقم".

المواضيع المحظورة هي بالضبط ما يجذب المستمعين. الصحة النفسية - وهي وصمة عار في كثير من المجتمعات العربية - تتصدر قوائم الحلقات الأكثر استماعاً. وتأتي بعدها مواضيع الهوية المزدوجة والعلاقات بين الأجيال.

تحديات الاستمرار

لكن صناعة البودكاست العربي في ألمانيا ليست سهلة. معظم صنّاع المحتوى يعملون بدون أي دخل مادي من مشاريعهم الصوتية. التمويل؟ شبه معدوم. أشار تقرير دويتشه فيله إلى أن سوق الإعلانات في البودكاست الألماني بلغ نحو 120 مليون يورو عام 2025، لكن الحصة العربية منه لا تكاد تُذكر.

ثمة عائق آخر - اللغة. هل تسجل باللهجة السورية أم المصرية أم بالفصحى؟ كل خيار يعني فقدان شريحة من المستمعين واكتساب أخرى. نوّه سامر إلى أنه اختار اللهجة السورية "لأنها الأقرب لقلبي، والمستمعون يتكيفون". لكن ليلى اختارت مزيجاً بين الفصحى واللهجة المصرية لتوسيع جمهورها.

معدات تسجيل صوتية واستوديو منزلي
صورة توضيحية. Photo by Kelly Sikkema on Unsplash

والتحدي الأكبر؟ الوقت. أغلب هؤلاء الصنّاع يعملون بدوام كامل ويسجلون في ساعات الليل المتأخرة. الأمر يتطلب نحو 8 إلى 12 ساعة أسبوعياً بين التحضير والتسجيل والمونتاج - وكل ذلك تطوعاً.

أكثر من ترفيه

ما يميّز هذه البودكاستات عن نظيراتها الترفيهية هو وظيفتها المجتمعية. في مجتمعات يصعب فيها الحديث عن المشاعر وجهاً لوجه، يصبح البودكاست مساحة آمنة. لفتت دراسة أجراها المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى أن 62 بالمئة من المهاجرين العرب يشعرون بعزلة اجتماعية في سنتهم الأولى بألمانيا. البودكاست - بصوته الحميمي وموضوعاته القريبة - يكسر شيئاً من تلك العزلة.

في تلك الشقة الصغيرة بنويكولن، أنهت نور تسجيل حلقتها الجديدة. الساعة تجاوزت الحادية عشرة. غداً تعود إلى عملها في رعاية المسنين. لكن هاتفها سيمتلئ برسائل ممن سمعوا صوتها وشعروا، ولو للحظة، أن أحداً يفهمهم. وهذا - كما تقول نور - يكفي للاستمرار.

ملاحظة: بعض الأسماء والتفاصيل في هذا المقال توضيحية لحماية خصوصية المصادر.

المصادر

  1. Destatis - إحصاءات الهجرة والاندماج في ألمانيا
  2. DW Arabic - قسم البودكاست العربي
  3. BAMF - إحصاءات دورات الاندماج والعزلة الاجتماعية
  4. Goldmedia - دراسة سوق البودكاست في ألمانيا 2024

مشاركة

ف

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

احتفظ بالفائدة بعد هذه الزيارة

خطوة صغيرة اليوم، سبب للعودة غداً

احفظ المقال، تابع ما حفظته، أو اجعل برليننا تصل إليك كل صباح.

تابع من هنا

قراءات مرتبطة، خطوة عملية موثوقة، أو استراحة قصيرة مع لعبة اليوم.

  1. 01

    Neues Museum: اللعبة مجانية فقط

    صباح الأحد يمكن لطفلك أن يتبع خنفساء في أروقة Neues Museum من دون حجز. لعبة «مصر عن قرب» متاحة بالألمانية والإنجليزية، وتُوزع بين 11:00 و15:30. لكن كلمة «مجانية» تحتاج إلى انتباه: النشاط ودخول من هم دون 18 عاماً مجانيان، أما البالغون فيدفعون تذكرة المتحف. هذه التفاصيل تمنع مفاجأة عند شباك التذاكر.

    ثقافةفريق برليننا
  2. 02

    السبت: مهرجان إذاعي مجاني ببرلين

    موسيقى وحوارات وجولات استوديو وأنشطة للأطفال، من دون تذكرة أو تسجيل: السبت المجاني في Hans-Rosenthal-Platz يبدو نادراً حتى بمقاييس برلين. لكن الوصول بلا فحص أخير قد يعني تفويت جولة محدودة أو توقع طعام مجاني لم تعد به الجهة المنظمة. ما المحطات الأقرب، وأين يظهر البرنامج الحالي، وما الذي ينبغي للأسرة أن تحسمه قبل الخروج؟

    ثقافةفريق برليننا

التعليقات

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

جاري تحميل التعليقات...

سياق التحرير

حالة النص
من إعداد فريق برليننا
ملاحظة المصادر
روابط مباشرة إلى جهة حكومية أو مؤسسة عامة داخل نص هذه النسخة.
آخر تحديث
٦ مارس ٢٠٢٦
تصحيح أو ملاحظة
إذا لاحظت خطأً، راسل التحرير عبر صفحة التواصل.
منهجيتنا