ثقافة
موائد إفطار مفتوحة.. برلين تجمع الجيران
صورة توضيحية

مصدر الصورة: صورة توضيحية / Symbolbild. Photo: maxfranke/Pixabay · Pixabay License

موائد إفطار مفتوحة.. برلين تجمع الجيران

في أحياء نويكولن وكرويتسبرغ وفيدينغ، تنظم عائلات عربية موائد إفطار مفتوحة تجمع الجيران الألمان على مائدة واحدة خلال رمضان 2026. وسط أجواء التوتر السياسي، يصبح الطعام جسراً بين الثقافات ولغة مشتركة لا تحتاج ترجمة.

إيصال التحريرلم يتم التحقق بعد١ رابط رسميآخر تحديث ٤ مارس ٢٠٢٦منهجيتنا

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

4 دقائق للقراءة١٦١ مشاهدة

الساعة السابعة مساءً في شارع كارل ماركس بنويكولن. طاولة طويلة تمتد على الرصيف، عليها أطباق فتوش وتمر ولبن وكبة. على أحد الجانبين تجلس أم سورية تُعدّل حجابها، وعلى الجانب الآخر زوجان ألمانيان يسألان بفضول عن اسم ذلك الحساء البرتقالي اللون.

"شوربة عدس"، تجيب الأم ضاحكة. ابتسامة واحدة. هذا كل ما يلزم.

هذا المشهد يتكرر هذا الشهر في عدة أحياء برلينية. فمع دخول رمضان 2026 أسبوعه الثالث، تنتشر موائد الإفطار المفتوحة (Offene Iftar-Tafeln) التي تدعو الجيران الألمان لمشاركة وجبة الإفطار مع العائلات المسلمة. لا دعوات رسمية ولا تذاكر دخول - فقط طعام ومحادثات وأحياناً ضحكات لا تحتاج لغة مشتركة.

الفكرة ليست جديدة تماماً. لكنها هذا العام تأخذ بُعداً مختلفاً. فوفقاً لبيانات المكتب الاتحادي للإحصاء، يعيش في برلين نحو 350 ألف مسلم يشكّلون ما يقارب 9% من سكان المدينة. وفي أحياء مثل نويكولن وكرويتسبرغ، ترتفع النسبة كثيراً. لكن هل يعرف الجار الألماني فعلاً ما يحدث خلف تلك الأبواب في رمضان؟

هذا السؤال هو ما دفع منظمات مجتمعية عدة إلى إطلاق مبادرات الإفطار المفتوح. أوضحت نورة، منظِّمة متطوعة في فيدينغ، أن الهدف بسيط: "نريد أن يفهم جيراننا لماذا نصوم. ليس من خلال محاضرة، بل من خلال طبق منسف."

ثلاثة أحياء، مائدة واحدة

في نويكولن - الحي الذي يضم أكبر تجمع عربي في برلين - نظّمت جمعيات محلية 4 موائد إفطار مفتوحة منذ بداية الشهر الفضيل. كل مائدة تستقبل بين 80 و120 شخصاً، نصفهم تقريباً من غير المسلمين. الطعام؟ مزيج لا يمكن تصنيفه. حمص بجوار بريتسل ألماني. وبقلاوة تُقدَّم مع قهوة ألمانية مفلترة.

في كرويتسبرغ، اتخذت المبادرة طابعاً مختلفاً. أكّدت إحدى المتطوعات أن التركيز هناك ليس على الطعام فقط بل على الحوار: "نضع بطاقات صغيرة على الطاولات فيها أسئلة بسيطة بالعربية والألمانية. مثلاً: ما أكلتك المفضلة في طفولتك؟ هذا يكسر الحواجز أسرع من أي برنامج اندماج رسمي."

أما في فيدينغ (Wedding)، فالأمر أكثر عفوية. عائلات تخرج بطاولاتها إلى الفناء الداخلي للمبنى السكني وتدعو كل من يمر. أشارت تقارير دويتشه فيله إلى أن مبادرات مشابهة انتشرت في أكثر من 15 مدينة ألمانية هذا العام، لكن برلين تبقى الأكثر نشاطاً بسبب تنوعها السكاني الفريد.

أطباق طعام متنوعة على مائدة كبيرة تجمع مأكولات من ثقافات مختلفة
صورة توضيحية. Photo by Brooke Lark on Unsplash

الطعام كلغة مشتركة

وسط مناخ سياسي متوتر - حيث تتصاعد النقاشات حول الهجرة والاندماج في البوندستاغ - تحمل هذه الموائد رسالة مختلفة. روت سيدة ألمانية في الستينيات من عمرها (حضرت إفطاراً في نويكولن للمرة الأولى) أنها لم تكن تعرف أن "رمضان فيه فرح أيضاً، كنت أظن أنه شهر حزين فقط."

هذا الجهل المتبادل - وليس العداء بالضرورة - هو ما تحاول هذه الموائد معالجته. ووفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة بيرتلسمان في عام 2023، أفاد 52% من الألمان بأنهم لم يتحدثوا قط مع جار مسلم عن دينه أو ثقافته. والرقم ليس مفاجئاً حين تفكر فيه - متى كانت آخر مرة طرقت فيها باب جارك أصلاً؟

لكن حين يُوضع طبق كنافة أمامك وتُسأل عن رأيك، تتغير المعادلة. نوّهت الباحثة في شؤون الهجرة في جامعة برلين الحرة إلى أن "اللقاءات غير الرسمية حول الطعام تبني ثقة أعمق من أي مؤتمر حوار أديان."

ليس كل شيء وردياً

بالطبع، هناك تحديات. بعض المنظمين (خاصة في الأحياء الشرقية من برلين) واجهوا رفضاً من جيران لم يرحبوا بفكرة إغلاق جزء من الرصيف. وحذّرت إحدى المنظِّمات من أن الحصول على تصاريح من البلدية يستغرق أحياناً أسابيع - "قدمنا طلبنا قبل رمضان بشهرين ولم نحصل على الموافقة إلا قبل 3 أيام من بدايته."

والتمويل مشكلة أيضاً. معظم هذه الموائد تعتمد على تبرعات العائلات المشاركة. لفتت نورة إلى أن "كل عائلة تطبخ لعشرين شخصاً من جيبها الخاص. ليس سهلاً، لكنه يستحق." بعض المبادرات تلقت دعماً من إدارة الثقافة والمشاركة المجتمعية في مجلس شيوخ برلين، لكن المبالغ (عادة بين 500 و1000 يورو لكل فعالية) لا تكفي لتغطية التكاليف كاملة.

ومع ذلك، يبدو أن الطلب في ازدياد. ذكر أحد المنظمين في كرويتسبرغ أن عدد الجيران الألمان الذين حضروا هذا العام تضاعف مقارنة بالعام الماضي. والأهم - كثيرون عادوا في اليوم التالي ومعهم أصدقاء.

في آخر المائدة بنويكولن، بعد أن فرغت الأطباق ولم يبقَ إلا أكواب الشاي بالنعناع، سأل رجل ألماني جاره السوري: "هل يمكنني الصيام معكم يوماً واحداً الأسبوع القادم؟" ضحك الجميع. لكن السوري أجاب بجدية: "طبعاً. بس لازم تصحى الساعة أربعة الصبح للسحور."

صمتَ الألماني لحظة. ثم قال: "ربما أبدأ بالإفطار فقط."

ملاحظة: بعض الأسماء والتفاصيل في هذا المقال توضيحية لحماية خصوصية المصادر.

المصادر

  1. Statistisches Bundesamt - Migration und Integration
  2. Bertelsmann Stiftung - Religionsmonitor
  3. DW عربية - تغطية رمضان في ألمانيا
  4. Senatsverwaltung für Kultur und Gesellschaftlichen Zusammenhalt Berlin

مشاركة

اقرأ بعد ذلك

اختيارات قريبة من هذا الموضوع، بدون تشتيت عن المقال.

  1. 01

    Spreepark يعود.. لكن بتذاكر

    الحديقة التي يعرفها كثيرون كمكان مهجور في بلينتروالد تقترب من عودة مختلفة. قرار برلين الأخير لا يعني افتتاحاً غداً، لكنه يكشف شيئاً مهماً: Spreepark الجديد لن يكون نسخة مجانية من الملاهي القديمة. رسوم الدخول، المطاعم، الأكشاك والفعاليات الخارجية صارت جزءاً من الحساب. لذلك لا تخطط لزيارة عائلية قبل أن تعرف ما الذي سيفتح فعلاً.

    ثقافةفريق برليننا
  2. 02

    القصر في وسط برلين مجاني لأولادك

    في نفس البقعة التي يقف عليها اليوم القصر البرليني الجديد، افتُتح قبل خمسين سنة بالضبط مبنى مختلف تماماً. اليوم، من يدفع 50 يورو لدخول هذا المكان مع عائلته غالباً لا يعرف شيئاً مهماً: أجزاء واسعة من Humboldt Forum مجانية تماماً، والأطفال تحت 19 سنة يدخلون كل شيء بدون تذكرة. عائلات عربية كثيرة في برلين تفوّت هذه المعلومة وتظن أن الثقافة في ألمانيا غالية عليها.

    ثقافةفريق برليننا
  3. 03

    عيد الأضحى الجمعة: قدّم طلب الإجازة الآن

    سبعة أسابيع تفصلك عن عيد الأضحى الجمعة 5 يونيو. الموظف الذي يقدّم طلب الإجازة في آخر أسبوع مايو يجد نفسه أمام رفض قانوني من صاحب العمل بحجة 'ضرورات تشغيلية'، لأن المادة 7 من قانون الإجازة تضع الأولوية لمن طلب أولاً. طفلك في المدرسة لن يُعفى تلقائياً، والجزّار الذي بلا تصريح 4a يعرّضك لغرامة. ما الذي يجب أن يصل إلى ثلاث جهات هذا الأسبوع بالضبط.

    ثقافةفريق برليننا
ف

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

التعليقات

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

جاري تحميل التعليقات...

سياق التحرير

حالة النص
لم يتم التحقق بعد
ملاحظة المصادر
روابط مباشرة إلى جهة حكومية أو مؤسسة عامة داخل نص هذه النسخة.
آخر تحديث
٤ مارس ٢٠٢٦
تصحيح أو ملاحظة
إذا لاحظت خطأً، راسل التحرير عبر صفحة التواصل.
منهجيتنا