موائد رمضان.. تضامن في زمن الغلاء
مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تجاوزت 8% خلال العام الماضي، تتحول موائد الإفطار الجماعية في برلين وهامبورغ وميونخ إلى شريان حياة للعائلات العربية. مبادرات مجتمعية تنظم حلقات طبخ جماعي وبنوك طعام في المساجد لمواجهة أزمة الغلاء.
فريق برليننا
فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

صورة توضيحية / Symbolbild. Photo: apyfz/Pixabay · Pixabay License
في قاعة مسجد عمر بن الخطاب في برلين-كرويتسبرغ، تصطف طاولات بلاستيكية بيضاء تمتد من الجدار إلى الجدار. الساعة السادسة والنصف مساءً، قبل أذان المغرب بدقائق. أم خالد (سورية في الخمسين من عمرها) تضع آخر صينية أرز على الطاولة وتمسح جبينها. "طبخنا اليوم لمئة وعشرين شخصاً،" تقول وهي تبتسم. "العام الماضي كنا نطبخ لثمانين فقط."
الفرق ليس في عدد المتطوعين. الفرق أن عائلات أكثر باتت تحتاج المساعدة.
رمضان 2026 يأتي وسط أزمة غلاء غير مسبوقة تضرب ألمانيا. أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 8.4% مقارنة بالعام السابق، وفقاً لبيانات المكتب الاتحادي للإحصاء. أسعار الزيوت النباتية وحدها قفزت بأكثر من 15%، والأرز واللحوم ليست بأفضل حال. لكن المجتمعات العربية في ألمانيا لم تنتظر حلولاً من أحد — نظّمت أمرها بنفسها.
حلقات الطبخ الجماعي
في حي نويكولن — القلب النابض للجالية العربية في برلين — ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة ما تُعرف بـ"حلقات الطبخ الجماعي". الفكرة بسيطة: تجمع كل عائلة ما تستطيع من مكونات، ويطبخ الجميع معاً في مطبخ مشترك. التكلفة على الفرد تنخفض بنحو 40% مقارنة بالطبخ المنزلي الفردي.
أوضحت منى الأحمد، منسقة المبادرات المجتمعية في جمعية العون العربي في برلين، أن الطلب على الإفطارات الجماعية تضاعف هذا العام. "نستقبل اتصالات يومية من عائلات (كثير منها لم تلجأ لنا من قبل) تسأل عن مواعيد الإفطار المجاني." وأضافت أن المبادرة تخدم حالياً نحو 350 شخصاً يومياً في ثلاثة مواقع مختلفة.
التحدي الأكبر؟ التمويل. فمع ارتفاع تكاليف المواد الأولية، باتت التبرعات التي كانت تكفي لشهر كامل تنفد في غضون أسبوعين.
من هامبورغ إلى ميونخ
الظاهرة لا تقتصر على برلين. في هامبورغ، أطلق المركز الإسلامي في شارع شتاينشتراسه مشروع "سفرة رمضان" الذي يوزع وجبات إفطار جاهزة على 200 عائلة أسبوعياً. وأشار القائمون على المشروع إلى أن 60% من المستفيدين هم عائلات عربية وصلت إلى ألمانيا خلال السنوات الخمس الأخيرة — عائلات لم تبنِ بعد شبكة دعم اجتماعي.
في ميونخ، اتخذت المبادرات شكلاً مختلفاً. روت سلمى (أم لثلاثة أطفال من العراق) كيف انضمت إلى مجموعة على واتساب تضم 45 عائلة تتبادل الأطباق يومياً. "كل يوم تطبخ خمس عائلات لبقية المجموعة. هذا يعني أنني أطبخ مرة واحدة فقط في الأسبوع بدلاً من كل يوم." وبحسب تقديرها، وفّر هذا النظام على عائلتها نحو 180 يورو شهرياً.
لكن هل هذه المبادرات كافية لسد الفجوة؟
بنوك الطعام في المساجد
حذّرت منظمات إغاثية ألمانية من أن أزمة الغلاء تدفع شريحة جديدة نحو الحاجة. أفاد تقرير صادر عن منظمة تافل الألمانية (أكبر شبكة بنوك طعام في البلاد) بأن عدد المستفيدين العرب ارتفع بنسبة 22% منذ بداية 2026. والمساجد تسد جزءاً من هذه الفجوة عبر توزيع سلال غذائية أسبوعية تحتوي على أرز وزيت وتمر وعدس — المكونات الأساسية لمائدة رمضان.
أكّدت الدكتورة سارة يلدز من إسلام آي كيو أن ما يحدث يتجاوز مجرد توزيع طعام. "هذه المبادرات تبني نسيجاً اجتماعياً. كثير من العائلات (خاصة تلك التي تعيش في مدن صغيرة) تشعر بالعزلة. الإفطار الجماعي يمنحها شعوراً بالانتماء لا يقل أهمية عن الوجبة نفسها."
وهذا بالضبط ما لاحظته أم خالد في برلين. فبعد ثلاثة أسابيع من رمضان، لم تعد القاعة مجرد مكان لتناول الطعام. صارت مكاناً يتبادل فيه الناس أرقام أطباء يتحدثون العربية، ونصائح عن تجديد الإقامة، وحتى وصفات طبخ جديدة. التضامن — كما يبدو — لا يملأ البطون فحسب. يملأ ما هو أعمق من ذلك.
ملاحظة: بعض الأسماء والتفاصيل في هذا المقال توضيحية لحماية خصوصية المصادر.
المصادر
- المكتب الاتحادي للإحصاء — مؤشر أسعار المستهلكين
- منظمة تافل الألمانية — أرقام وحقائق
- دويتشه فيله — تغطية الجالية العربية في ألمانيا
- إسلام آي كيو — أخبار المسلمين في ألمانيا
5 دقائق كل صباح
أهم أخبار ألمانيا التي تهمّك
كلمة اليوم، آخر الأخبار، ونصائح عملية — كل يوم في بريدك
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على التحديثات الفورية والأخبار العاجلة مباشرة على هاتفك
فريق برليننا
فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.



