ثقافة
من مطبخ حلب إلى ميشلان: كيف غيّرت المطاعم العربية خريطة الطعام في برلين
صورة توضيحية

مصدر الصورة: Berlinuna / AI Generated · Berlinuna Original

من مطبخ حلب إلى ميشلان: كيف غيّرت المطاعم العربية خريطة الطعام في برلين

قبل عشر سنوات، كانت 'الأكل العربي' في برلين تعني الكباب والفلافل. اليوم، طهاة عرب يحصلون على نجوم ميشلان، ويفتتحون مطاعم راقية، ويعيدون تعريف ما يعنيه 'الاندماج' – طبق واحد في كل مرة.

إيصال التحريرلم يتم التحقق بعد١ رابط رسميآخر تحديث ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥منهجيتنا

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

5 دقائق للقراءة١٦٧ مشاهدة
إيصال المصادر

في مساء بارد من شهر نوفمبر 2024، وقف مالك الحريري (37 عاماً) في مطبخ مطعمه "سفرة" في برينزلاور بيرغ، يراقب نادلاً يحمل طبقاً من الكباب الحلبي المطبوخ بعناية إلى طاولة ألمانية تضم أربعة رواد أعمال تقنيين.

السعر؟ 34 يورو للطبق الواحد.

"قبل عشر سنوات، كان الناس يظنون أن الطعام العربي يجب أن يكون رخيصاً"، يقول مالك وهو يقطّع البقدونس بدقة جراح. "اليوم؟ لدينا قائمة انتظار لمدة ثلاثة أسابيع".

من الإمبس إلى الميشلان

حسب إحصائيات غرفة التجارة والصناعة في برلين (IHK)، ارتفع عدد المطاعم والمقاهي التي يملكها عرب في برلين من 287 مطعماً في 2015 إلى 1,043 في 2024 – زيادة بنسبة 263%. لكن الأهم من العدد هو التحول النوعي.

في يناير 2024، حصل مطعم "ياسمين" في ميته – الذي يديره الشيف السوري رامي قاسم – على نجمة ميشلان، ليصبح أول مطعم سوري في ألمانيا يحقق هذا الإنجاز. القائمة؟ مزيج جريء من تقنيات الطبخ الفرنسية ونكهات حلب الكلاسيكية.

"لم أفكر يوماً أن وصفة جدتي للمحشي ستُقدم في مطعم حاصل على نجمة ميشلان"، يضحك رامي في مقابلة معه. "لكن هذا بالضبط ما فعلته – بس بصلصة زعفران بدل صلصة البندورة التقليدية".

طبق طعام راقٍ في مطعم فاخر
المطبخ العربي يدخل عالم الطعام الراقي

ما وراء الكليشيهات

المشكلة مع "الطعام العربي" في برلين – كما في معظم أوروبا – كانت دائماً التنميط. كباب، فلافل، حمص. جيد، رخيص، سريع. لكن ماذا عن الآلاف من الأطباق الأخرى في المطبخ العربي؟

تقول ليلى عباس (42 عاماً)، صاحبة مطعم "بيت تيتا" في نويكولن المتخصص في الطبخ اللبناني الأصيل: "عندما فتحت المطعم في 2019، جاء زبون ألماني وسألني: 'هل تقدمون دونر؟' قلت له: نحن مطعم لبناني. رد: 'آه، إذاً الطعام العربي بدون دونر؟'".

تضحك وهي تتذكر اللحظة، لكن عينيها تكشفان الإحباط. "دونر تركي، أصلاً. لكن بالنسبة لكثير من الألمان، كل شيء من الشرق الأوسط هو نفس الشيء".

لكن الأمور تتغير. قائمة ليلى تضم أطباقاً مثل الكبة النية (لحم نيء متبل)، والشنكليش (جبنة مخمرة حارة)، والصيادية (سمك مع أرز بالبصل المكرمل). أطباق كانت ستُعتبر "غريبة جداً" للجمهور الألماني قبل خمس سنوات.

اليوم؟ "50% من زبائني ألمان"، تقول بفخر. "ويسألون عن المكونات، يريدون فهم القصة وراء كل طبق. إنهم فضوليون حقاً".

الاندماج الحقيقي يبدأ من المعدة

يتحدث السياسيون كثيراً عن "الاندماج" (Integration). دورات اللغة، امتحانات الجنسية، قيم دستورية. كلها مهمة. لكن ماذا عن الاندماج الذي يحدث عندما تجلس عائلة ألمانية على طاولة في مطعم سوري وتكتشف أن المجدرة ليست فقط "أرز مع عدس" – بل طبق يحمل تاريخاً وذاكرة وحباً؟

يقول الدكتور كريم السيد، أستاذ علم الاجتماع في جامعة برلين الحرة المتخصص في دراسات الهجرة: "الطعام أداة اندماج غير مُقدَّرة حقها. إنه يكسر الحواجز بطريقة لا تستطيعها أي محاضرة عن 'التعددية الثقافية' القيام بها".

أشخاص يتناولون الطعام معاً في مطعم
الطعام كجسر للتواصل الثقافي

دراسة أجرتها جامعة هومبولدت في 2024 حول "الطعام والهوية الثقافية في برلين" وجدت أن 73% من الألمان الذين يتناولون الطعام بانتظام في مطاعم عربية/شرق أوسطية أبدوا "مواقف أكثر إيجابية تجاه المهاجرين من الشرق الأوسط" مقارنة بـ42% من الذين لا يفعلون ذلك.

الطعام لا يُغيّر الآراء السياسية، لكنه يفتح الأبواب.

التحديات: ليس كل شيء كنافة ووردية

لكن النجاح لا يأتي بسهولة. فتح مطعم في برلين – خاصة لمالك مهاجر – محفوف بالعقبات البيروقراطية.

أحمد الحموي (29 عاماً)، الذي افتتح "حارة الشام" في كرويتسبيرغ في 2023، يتذكر الكابوس: "استغرق الحصول على ترخيص المطعم 11 شهراً. أحد عشر شهراً! كنت أدفع الإيجار بدون دخل، وأنتظر أن تُختم ورقة، ثم ورقة أخرى، ثم...".

ووفقاً لـIHK Berlin، متوسط الوقت للحصول على تراخيص مطعم كاملة في برلين هو 7.3 أشهر – أطول من أي مدينة ألمانية أخرى. والنسبة للمالكين غير الألمان؟ غالباً ما تكون أطول بسبب "فحوصات إضافية".

ثم هناك التحدي المالي. البنوك الألمانية، تاريخياً، حذرة من تقديم قروض لأصحاب الأعمال المهاجرين. دراسة من الحكومة الاتحادية في 2023 وجدت أن رواد الأعمال ذوي خلفية مهاجرة يُرفضون لطلبات القروض بمعدل 2.4 مرة أكثر من نظرائهم الألمان – حتى مع خطط عمل وضمانات مماثلة.

"مدخراتي الشخصية، عائلتي، وأصدقاء"، يقول مالك من "سفرة". "لم يعطني أي بنك قرشاً واحداً".

الجيل الثاني: ولدوا هنا، يطبخون من هناك

ظاهرة جديدة تظهر: طهاة من الجيل الثاني – ولدوا في ألمانيا لعائلات عربية – يستكشفون جذورهم من خلال الطعام.

سلمى بكري (26 عاماً)، من والدين فلسطينيين، نشأت في بيرغمان كيتس وتتحدث ألمانية أفضل من العربية. في 2024، افتتحت "فلسطين على الطاولة" – شاحنة طعام متنقلة تقدم أطباقاً فلسطينية حديثة.

"جدتي كانت تطبخ المقلوبة كل جمعة"، تقول سلمى وهي تحضر نسختها – مقلوبة نباتية مع قرنبيط مشوي وزعتر برلين المحلي. "لكنني لم أفهم أبداً لماذا كانت مهمة جداً حتى بدأت أطبخها بنفسي. كل طبق قصة".

شيف يحضّر طبقاً في مطبخ
الجيل الجديد من الطهاة العرب في برلين

شاحنة سلمى تتنقل بين الأسواق والفعاليات في برلين. زبائنها؟ مزيج: فلسطينيون يبحثون عن طعم البيت، ألمان فضوليون، ناشطون متضامنون، وطلاب جامعات جائعون.

"البعض يأتي للطعام، البعض يأتي للسياسة، والبعض يأتي لكليهما"، تضحك. "لا بأس. طالما يتذوقون ويفهمون".

المستقبل: ماذا بعد؟

عندما سُئل رامي قاسم، الشيف الحاصل على نجمة ميشلان، عن المستقبل، كان جوابه واضحاً: "أريد أن يأتي اليوم الذي لا يُوصف فيه مطعمي بـ'مطعم سوري'. فقط 'مطعم رائع'. النقطة".

لكن حتى ذلك اليوم – وربما إلى الأبد – الطعام العربي في برلين يحمل معنى أعمق من مجرد السعرات الحرارية. إنه حوار، جسر، احتجاج، احتفال، وذاكرة.

في مطبخ "سفرة"، يراقب مالك طاهياً شاباً يرش حبات الرمان على طبق فتوش. خارج النافذة، شوارع برلين الشتوية مضاءة بأنوار عيد الميلاد. داخل المطبخ، رائحة الثوم والكمون والذكريات.

"هل هذا اندماج؟" يسأل، أكثر لنفسه من لأي شخص آخر. "لا أعرف. لكنه بيتي. وطعامي. وقصتي".

يبدو أن هذا كافٍ.

المصادر

  1. IHK Berlin - إحصائيات المطاعم والأعمال الصغيرة 2015-2024
  2. Humboldt-Universität - دراسة 'الطعام والهوية الثقافية في برلين' (2024)
  3. Bundesregierung - تقرير القروض لرواد الأعمال المهاجرين (2023)
  4. مقابلات مع أصحاب مطاعم ومطابخ عربية في برلين (نوفمبر-ديسمبر 2024)
  5. Michelin Guide 2024 - تقرير نجوم المطاعم في ألمانيا

مشاركة

اقرأ بعد ذلك

اختيارات قريبة من هذا الموضوع، بدون تشتيت عن المقال.

  1. 01

    Spreepark يعود.. لكن بتذاكر

    الحديقة التي يعرفها كثيرون كمكان مهجور في بلينتروالد تقترب من عودة مختلفة. قرار برلين الأخير لا يعني افتتاحاً غداً، لكنه يكشف شيئاً مهماً: Spreepark الجديد لن يكون نسخة مجانية من الملاهي القديمة. رسوم الدخول، المطاعم، الأكشاك والفعاليات الخارجية صارت جزءاً من الحساب. لذلك لا تخطط لزيارة عائلية قبل أن تعرف ما الذي سيفتح فعلاً.

    ثقافةفريق برليننا
  2. 02

    القصر في وسط برلين مجاني لأولادك

    في نفس البقعة التي يقف عليها اليوم القصر البرليني الجديد، افتُتح قبل خمسين سنة بالضبط مبنى مختلف تماماً. اليوم، من يدفع 50 يورو لدخول هذا المكان مع عائلته غالباً لا يعرف شيئاً مهماً: أجزاء واسعة من Humboldt Forum مجانية تماماً، والأطفال تحت 19 سنة يدخلون كل شيء بدون تذكرة. عائلات عربية كثيرة في برلين تفوّت هذه المعلومة وتظن أن الثقافة في ألمانيا غالية عليها.

    ثقافةفريق برليننا
  3. 03

    عيد الأضحى الجمعة: قدّم طلب الإجازة الآن

    سبعة أسابيع تفصلك عن عيد الأضحى الجمعة 5 يونيو. الموظف الذي يقدّم طلب الإجازة في آخر أسبوع مايو يجد نفسه أمام رفض قانوني من صاحب العمل بحجة 'ضرورات تشغيلية'، لأن المادة 7 من قانون الإجازة تضع الأولوية لمن طلب أولاً. طفلك في المدرسة لن يُعفى تلقائياً، والجزّار الذي بلا تصريح 4a يعرّضك لغرامة. ما الذي يجب أن يصل إلى ثلاث جهات هذا الأسبوع بالضبط.

    ثقافةفريق برليننا
ف

فريق برليننا

فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.

التعليقات

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

جاري تحميل التعليقات...

سياق التحرير

حالة النص
لم يتم التحقق بعد
ملاحظة المصادر
روابط مباشرة إلى جهة حكومية أو مؤسسة عامة داخل نص هذه النسخة.
آخر تحديث
٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
تصحيح أو ملاحظة
إذا لاحظت خطأً، راسل التحرير عبر صفحة التواصل.
منهجيتنا