كل يوم سبت في الساعة السابعة صباحاً، تقف نادية أمام مستودع توزيع الطعام في حي نويكولن. تفرز الخضروات، ترتب الأرفف، وتتحدث الألمانية مع زملائها المتطوعين. بعد ثلاث سنوات من هذا الروتين الأسبوعي، لم تعد نادية تلك المرأة السورية التي وصلت برلين دون أن تعرف كلمة ألمانية واحدة.
"تعلمت الألمانية هنا أسرع مما تعلمتها في دورة الاندماج" -- هكذا وصفت تجربتها ببساطة.
قصة نادية ليست استثناء. ففي ألمانيا، يعمل نحو 28.8 مليون شخص في العمل التطوعي، أي ما يعادل 40% من السكان فوق سن 16 عاماً، وذلك وفقاً لآخر تقرير من مسح العمل التطوعي الاتحادي (Freiwilligensurvey 2019). لكن نسبة المهاجرين بين المتطوعين لا تزال أقل من المعدل العام. هل السبب قلة الاهتمام؟ ليس بالضرورة -- فكثيرون لا يعرفون من أين يبدأون.
أكثر من مجرد عمل مجاني
العمل التطوعي في ألمانيا -- أو ما يسمى Ehrenamt -- ليس مجرد نشاط خيري. إنه جزء من الثقافة الألمانية نفسها. من بنوك الطعام (Tafel) إلى أندية كرة القدم المحلية (Sportverein)، ومن فرق الإطفاء التطوعية (Freiwillige Feuerwehr) إلى مساعدة الجيران (Nachbarschaftshilfe)، تتنوع مجالات العمل التطوعي بشكل لا يتخيله كثيرون.
وبالنسبة للعرب المقيمين في ألمانيا (خاصة القادمين منذ 2015)، يحمل التطوع فوائد تتجاوز مساعدة الآخرين. أوضح أحد المتطوعين العراقيين في برلين أن التطوع منحه شبكة علاقات اجتماعية لم يكن ليبنيها في سنوات من دورات اللغة. والأهم من ذلك: التطوع المنتظم يُحتسب كدليل على الاندماج في المجتمع عند التقدم لطلب الجنسية الألمانية.
نعم، طلبات التجنس في برلين تسأل صراحة عن العمل التطوعي. والإجابة بنعم قد تصنع فرقاً.
من أين تبدأ؟
أشارت تقارير وكالات التطوع في برلين إلى أن اللغة تبقى العائق الأول أمام المهاجرين الراغبين بالتطوع. لكن الحقيقة أن كثيراً من الأنشطة لا تحتاج إلى مستوى لغوي مرتفع. فرز الطعام في منظمة Tafel مثلاً، أو المساعدة في تنظيم فعاليات رياضية، أو حتى تقديم الدعم للاجئين الجدد بلغتك الأم.
منصة vostel.de تعرض أكثر من 300 فرصة تطوعية في برلين وحدها، مصنفة حسب اللغة والمجال والمنطقة. وتوفر وكالات التطوع المحلية (Freiwilligenagenturen) في كل حي من أحياء برلين استشارات مجانية للراغبين بالبدء. كذلك تقدم Engagement Global برامج تطوع دولية مدعومة من الحكومة الاتحادية.
بطاقة تقدير ومزايا حقيقية
ما لا يعرفه كثيرون أيضاً: من يتطوع بانتظام (200 ساعة سنوياً على الأقل في معظم الولايات) يحق له الحصول على بطاقة العمل التطوعي -- Ehrenamtskarte. هذه البطاقة تمنح حاملها خصومات في المتاحف والمسابح ووسائل النقل العام في عدة ولايات. ليست مبالغ ضخمة، لكنها اعتراف رسمي بالجهد المبذول.
لفتت إحدى المتطوعات الفلسطينيات في منطقة فيدينغ إلى أن البطاقة غيّرت نظرتها لنفسها. "لم أعد مجرد لاجئة تتلقى المساعدة" -- كما روت بابتسامة -- "أنا الآن شخص يساعد هذا البلد". وهذا بالضبط ما يبنيه التطوع: شعور بالانتماء يصعب أن تصنعه ورقة رسمية.
طريق ذو اتجاهين
الفائدة ليست في اتجاه واحد. أكّدت عدة منظمات محلية في برلين أن المتطوعين العرب أضافوا بُعداً جديداً لعملها. مهارات الطبخ في فعاليات الأحياء، والترجمة للعائلات الوافدة حديثاً، وفهم الاحتياجات الثقافية للمهاجرين -- كلها أشياء لا تجدها في كتيبات التدريب.
ذكر تقرير صادر عن الحكومة الاتحادية أن المتطوعين من خلفيات مهاجرة يساهمون بشكل خاص في مجالات الترجمة والوساطة الثقافية والعمل مع الشباب. وهذه مساهمة لا يمكن لأي برنامج حكومي أن يعوضها.
نادية (التي بدأنا معها هذه القصة) تتطوع الآن 8 ساعات أسبوعياً. حصلت على شهادة B2 في الألمانية، وتقدمت بطلب التجنس في مطلع 2026. سألتها إن كانت ستتوقف عن التطوع بعد الحصول على الجنسية. ضحكت وأجابت: "هؤلاء أصدقائي الآن. هل تترك أصدقاءك؟"
ملاحظة: بعض الأسماء والتفاصيل في هذا المقال توضيحية لحماية خصوصية المصادر.
المصادر
- Freiwilligensurvey 2019 - BMFSFJ: Zahlen zum ehrenamtlichen Engagement in Deutschland
- Landesamt für Einwanderung Berlin - Informationen zur Einbürgerung
- vostel.de - Plattform für ehrenamtliches Engagement in Berlin
- Engagement Global - Programme für bürgerschaftliches Engagement
- Ehrenamtskarte.de - Informationen zur Ehrenamtskarte und ihren Vorteilen
فريق برليننا · فريق تحرير برليننا - نقدم لكم أحدث الأخبار والمعلومات المهمة للمجتمع العربي في ألمانيا.
كيف نعمل: المنهجية التحريريةتابع من هنا
قراءات مرتبطة، خطوة عملية موثوقة، أو استراحة قصيرة مع لعبة اليوم.
- 01
الـSportverein.. بوابة الاندماج المنسية
5 يورو شهريا قد تغير حياة طفلك الاجتماعية في ألمانيا. النوادي الرياضية ليست للرياضة فقط - إنها المكان الذي تبنى فيه الصداقات الألمانية الحقيقية.
مجتمعفريق برليننا - 02
أين تتابع الأخبار بلغة الإشارة؟
أن تكون النشرة على الشاشة لا يعني أن الجميع يستطيع متابعتها. على Phoenix تُترجم tagesschau بلغة الإشارة، وفي إيسن تجمع جوقة TonZeichen الغناء والإشارات في العرض نفسه. تقرير منشور في 23 سبتمبر يضع مثالين أمام الأسر التي تبحث عن محتوى يناسب تواصلها. ولمن يستعد لمعاملة إدارية، هناك أيضاً سؤال عملي: ما المساعدة التي يمكن طلبها، ومن يتحمل تكلفتها؟
مجتمعفريق برليننا